عبد الله الأنصاري الهروي

453

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

إلّا ما قلناه نحن ، مع أنّا لا نشكّ أنّ فهم الجاهل يتبادر إلى ضدّه جريا على عادة اعتقادهم من أنّه كلّ من كان إلى اللّه تعالى أقرب كان أشدّ عملا ، وليس الأمر كذلك ، بل القرب الحقيقيّ ينقل الأعمال الظّاهرة إلى الأعمال الباطنة ، ويريح الجسد والجوارح ، وينعم العقل والرّوح بالمشاهدة ، ويئزّه في رياض الموجدات . قوله : ويخلّص من رعونة المعارضات ، يعني أنّ ملاحظة عين / الجمع تخلّص العبد من رعونة المعارضات ، والمراد بالمعارضات هنا هو الإنكار على الموجودات بما يبدو منهم من أحكام البشريّات وشبه ذلك ، لأنّ المشاهدة لعين الجمع تعلم أنّ مراد اللّه تعالى من الخلائق ما هم عليه ، وإذا علم ذلك بحقيقة الشّهود ، كانت المعارضات من رعونات الأنفس المحجوبة ، فهو يخلص منها بملاحظة عين الجمع كما ذكرنا . قوله : ويفيد مطالعة البدايات ، ومعنى ذلك أنّ السّالك حال سلوكه ، لا يلتفت إلى وراء لشغله بما بين يديه ، وغلبة أحكام الهمّة عليه ، وهي شدّة الطّلب ، فلا يفزع إلى مطالعة البدايات التي سبقت له ، فإذا لاحظ عين الجمع فرغ من السّلوك الأوّل ، وليس عند الشيخ رحمه اللّه سلوك غيره ، فلذلك يتفرّغ إلى مطالعة بداياته ، فهذا معنى قوله : ويفيد مطالعة البدايات . وقد قال الجنيد رحمه اللّه في هذه الدّرجة : وا شوقاه إلى أهل البداية ، يعني إلى لذّة أوقات البداية ، وما ذلك إلّا أنّه كان مجموع الخاطر على الطّلب ، فلمّا وصل حضرة الجمع تفرّق حاله بفناء رسومه ، وعاد إلى الحسّ فلزمته الكلف ، فتعب فارتاح إلى راحات أوقات البدايات لما كان فيها من لذّة الإعراض عن الخلق ، واجتماع الهمّة ، وفي ذلك من الرّاحة ما لا يعلمه إلّا من جرّبه .